السيد محمد تقي المدرسي

60

من هدى القرآن

تنفعهم ، ولم يعقر الناقة سوى أشقاهم وهو شخص واحد ، إلا أن رضا الجميع بفعله وسكوتهم عنه جعلهم شركاء في الجريمة ، ونسبت الخطيئة إليهم جميعا . ( فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ) إن السلطة السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية الفاسدة هي التي بادرت بعقر الناقة في جو من الاستسلام الساذج ، وكانت تلك النتيجة الطبيعية للجمود والتقليد والاعتزاز بالمكاسب ، وهكذا كان شأن كل الأنظمة الجائرة والمستبدة عبر التاريخ ، إنها تُنَوِّم الناس على أنغام المكاسب الظاهرة فتسلب منهم قدرتهم على التفكير السليم بعدئذ تقوم باستغلالهم واستثمار طاقاتهم حسب ما تشاء ، وتوردهم المهالك من دون أي خوف من التمرد أو المقاومة . [ 66 ] وهكذا فعلت السلطات المستكبرة بقوم ثمود ، ولكن ثمود هي التي فعلت بنفسها هذه الجريمة حين سكتت في أول الأمر عن تلك السلطات . إن الرضا بالأنظمة الجائرة والمستبدة هي الخطوة الأولى إلى المجزرة ، لأن هذه الأنظمة تسلب أعز شيء عند الإنسان هو عقله وتفكيره . . فيكون ضررها أكبر من نفعها مهما كان نفعها كبيرا . لذلك جاء الأمر الإلهي الحاسم . ( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ) العزة هي مظهر القوة في الحقل الاجتماعي ، والله لا يدع قيم الحق قائمة في النفوس والعقول وبين أضلع الكتب والخطب ، بل يجسدها في ضمير الواقع فإذا بالظلم يتحول إلى ظلمات ، والجريمة إلى عقاب ، والفساد إلى خراب . [ 67 ] وإذا بالسكوت عن الظلم ، والرضا بالجريمة ، والاستسلام أمام الفساد يتحول كل ذلك إلى صيحة مدمرة . هي صيحة الحق الذي سكتوا عنه ، وهي عقاب الجريمة التي رضوا بها ، وهي نهاية الفساد الذي استسلموا له . ( وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ) لقد كانت الصيحة في لحظة واحدة بحيث أسكتت حناجر الساكتين عن الظلم ، وأهمدت حركة المغرورين بمكاسبهم ، وجعلتهم يسقطون على وجوههم ( في حالة الجثوم ) تلك الوجوه التي استكبرت عن قبول الحق . [ 68 ] أين تلك الديار التي تمتعوا بها وأقاموا دهرا فيها ؟ ! أين الصخب والحركة ، وأين العمارة والأثاث ؟ ! لقد شمل التخريب الساحق كل زاوية من زوايا ديارهم ، وكأنها كانت خالية من السكان . . ( كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ) أي لم يقيموا فيها . ( أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ )